بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة كاتب


“المقامة الثولية “

كتبهاكاتب ، في 16 أكتوبر 2009 الساعة: 22:44 م

  

 " المقامة الثولية 

منذ عام أو يزيد ، غاب خالد بن يزيد ، حتى ظننته هاجر ، ورجع إلى أهله وغادر ، ولكن الغريب فجاءة غيبته ، وسرعة رحلته ، فمنذ معرفتي به لم يفارقني ، ومنذ صحبتي له لم يفاجئني ، فقد كان يخبرني بكل ما يهمه ، وكل ما يقلق خاطره ويغمه ، حتى حسبتنا نفس فرقت في جسدين ، وروح علقت في بدنين ، وبعد طول غياب ، وتسرب اليأس إلى قلوب الأحباب ، صرنا نسلي بعضنا بنوادره ، وجميل أخباره وغرائبه ، فقائل هو أديب ، وآخر يقول بل حر أريب ، ومنهم من قال عزيز قوم ذل ، هانت عليه الدنيا فارتحل ، فغرائبه ونوادره جعلتنا نظن به الظنون ، وبلاغته ورجاحة عقله ليست في أبناء القرون.

 

 

 
 

 

وفي ليلة كنا نتسامر ، وفي أخباره نتذاكر ، فإذا برجل عليه أثر السفر والنصب ، يجر خطاه من التعب ، فقمنا نستقبله ، ونسلم عليه ونقبله ، فبادرناه بالطعام والشراب ، فلازلنا ذوو مروءة أعراب ، فاستحيينا أن نسأله عن نفسه ، قبل أن يرتد إليه نفسه ، وخجلنا أن نفك عنه لثامه ، قبل أن نسمع كلامه ، وبعد أن استراح ، وشرب من اللبن أقداح ، شرع بالكلام ، وفك عن وجهه اللثام ، فإذا هو صاحبنا، وخلنا وفقيدنا ، فقمنا نقبله ونظمه ، ومن فرط الشوق نشمه ، ثم سألناه عن غيابه ، وأسرفنا في عتابه ، فقال: لو علمتم ما عندي من الأخبار ، وما كشفت لكم من الأسرار ، لطلبتم مني المزيد من الأسفار ، فاسمعوا مني ما أقول ، وتحملوني فكلامي الليلة سيطول ، فلقد رأيت ما لم أره من قبل ، وسمعت ما لم يسمعه ذو عقل.

    
فقلنا : كلنا آذان صاغية ، وعقول واعية ، فتوكل على من ردك إلينا ، وانثر جواهرك بين أيدينا.

 

قال : قبل أكثر من عام ، قصدت البلد الحرام ، فرؤيته تجلو الأحزان ، والمكث فيه من متع الزمان ، أما الطواف والقيام ، والسعي والالتزام ، فالنعيم المقيم ، والخير العميم ، فعزمت أن أمكث مدة قصيرة ، فنفسي للخير فقيرة ، وأردت أن أهذبها بالقيام ، وأعسفها بالصيام ، وأربيها بالطواف ، وأؤدبها بالاعتكاف ، وفي أحد الأيام ، صلى بجواري أحد أهل الإسلام ، وكان يدعو بدعاء غريب ، ويردده بصبر عجيب ، وكان يردد اللهم احفظ خادم العلم والحرم ، ومن أراد رفعتنا بين الأمم ، فلما انتهى من الدعاء ، سألته على استحياء ، فقلت : خادم الحرم نعرفه ، فمن خادم العلم والمعرفة ، قال : من بنى دار الحكمة في العصر الحديث ، ومن جمع بين العلم والإيمان في سعي حثيث ، قلت أي دار ، وما هي الأخبار ، قال : ألم تسمع عن جامعة " ثول " ، فأخبارها تشعل جذوة الأمل ، يقال أنها صرح من صروح أهلا الإسلام ، سيجلب إليها كل عالم وإمام ، وكل مخترع همام ، وكل ذي عقل من الأنام ، ليرفع الجهل عن أمتنا ، ونواكب الأمم بعلومنا وقيمنا ، قلت أهو شيء رأيته ، أم خيال تمنيته !!! ، قال سمعتهم يقولون ، والله أعلم بما يسرون ويعلنون ، ومن تمام النعم ، جعلت بجوار الحرم ، فلنذهب لعلنا نرى ما يسرنا ، فنحمد ربنا في سرنا وعلننا ، قلت : توكل على الله ، فما خاب من توكل بمولاه.

 

فلما وصلنا لـ"ـثول" ، أصابنا الذهول والحول ، مبان ضخمة كبيرة ، ومساحات شاسعة جميلة ، فقلت في نفسي ، جمال المباني ، دلالة على جمال المعاني ! ، فلما دخلنا .. فجعنا ، فقد رأينا ما لم نحلم أن نراه في المنام ، فكيف يكون بجوار البلد الحرام ، رأينا الفضيلة تنحر ، والرذيلة تتبختر ، رأينا الدين يذبح باسم العلم ، والقيم تداس باسم الفهم ، رأينا القوم قد أتوا بقيمهم ، ليمسخونا كأممهم ـ ألا يكفي أن من ذهب إليهم يمسخ ، حتى يأتونا ليوسّخوا من لم يتسخ ـ رأينا البنات بلا حجاب ، يصفقن لهز الشباب ، ورأينا ما لا يسر مسلم ، وما يغنينا عن كل مأتم ، رأينا قطعة من الغرب ، زرعت في جزيرة العرب ، والأدهى من ذلك والأمر ، وكيف فات على ولي الأمر ، أن يكون رئيسها عابد صنم ، بجوار الحرم ، بجوار مكة التوحيد ، ينصّب عباد العبيد ، وكأن الأرحام عقمت ، والعقول أجدبت ، من ذي ديانة وعلم ، وذي مروءة وفهم.


ثم أعتدل في جلسته وقال : وليت الأمر وقف عند هذه الحال ، فقد حصلت حادثة مريبة ، بينت ما يدور في عقول خبيثة ، وهي باختصار ، عندما أجاب عالم على استفسار ، حول الاختلاط في الجامعة ، فقال في كلمة جامعة مانعة ، بعد أن أثنى على ما يستحق الثناء ـ والعدل من شيم العلماء ـ وأنكر ما يستحق الإنكار ، بلغة الوالد حينما يوصي أبناءه الصغار ، وبلغة الرجل حينما يسر لوالده بأسرار ، بلغة هادئة لم ترضي أمثالي ، فالمنكر أعظم من هدم الجبال العوالي ، وما إن انتهى الناصح من نصيحته ـ وهو من هو في مكانته ، فهو من كبار العلماء ، ومن رجال الدولة الأوفياء ، وتاريخه وتاريخ أسرته يغنينا عن كثير من الثناء ـ فإذا الليبراليون يسبون ويشتمون ، ويستعدون ويتوعدون ، ويتهمون ويتوهمون ، فيتهمون العلماء بوطنيتهم ، ويطالبون بعزلهم وتنحيتهم ، في مكر كبار ، وحملة بينت ما يضمر القوم من حقد وصغار ، فكانت ورقة التوت التي بينت عوارهم ، والقشة التي ، هتكت أسرارهم ، فبينت كذب الحرية المدعاة ، والتعددية المبتغاة، فتبين أن الحرية والليبرالية ، للقوم مجرد مطية.

فقاطعناه ونشيجنا يقطع حديثنا ، ونواحنا قد بح أصواتنا ، وأين العلماء ، والمحتسبون النبلاء ، فهم الناصحون حقاً ، والمنكرون صدقاً، فقال: هُزت المنابر ، ودفقت المحابر ، وأصدرت البيانات ، وكتبت المقالات ، وتكلم الناصحون ، وأفتى المفتون ، حتى قيل : اعلموا أن الشيخ أقيل ، وأُشعل الفتيل ، ولا ينزع هذا الفتيل إلا الاستماع للناصحين ، العلماء الصادقين ، حتى لا يكون هذا الحدث ذريعة للمفسدين ، ومن يريد إشاعة الفاحشة بين المؤمنين ، وحتى لا يكون لأهل الغلو ذريعة ، ليطعن في تحكيم الشريعة.

  
قلنا : فما أخبار صاحب الدعاء ، قال : خرجنا من الجامعة وأنا أسمعه يتمم بدعاء آخر ..! ، اللهم من أراد بنا وبديننا وبقيمنا وبمبادئنا سوءاً …ثم خفت صوته ، وتغيرت وجهته.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقامات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على ““المقامة الثولية “”

  1. الفضيلة تنحر ، والرذيلة تتبختر ، رأينا الدين يذبح باسم العلم ، والقيم تداس باسم الفهم ، رأينا القوم قد أتوا بقيمهم ، ليمسخونا كأممهم ـ ألا يكفي أن من ذهب إليهم يمسخ ، حتى يأتونا ليوسّخوا من لم يتسخ ـ رأينا البنات بلا حجاب ، يصفقن لهز الشباب ، ورأينا ما لا يسر مسلم ، وما يغنينا عن كل مأتم ، رأينا قطعة من الغرب ، زرعت في جزيرة العرب ، والأدهى من ذلك والأمر ، وكيف فات على من والله الأمر ، أن يكون رئيسها عابد صنم ، بجوار الحرم ، بجوار مكة التوحيد ، ينصّب عباد العبيد ، وكأن الأرحام عقمت ، والعقول أجدبت ، من ذي ديانة وعلم ، وذي مروءة وفهم.

    اللهم يالله يا من بيده كل شيئ
    أرنا عجائب قدرتك في اليهود والنصارى ومن عاونهم من اللبراليين ومن يكره دينك
    اللهم أحفظنا وأحفظ علمائنا من كل سوء

    جزا الله الكاتب كل خير

  2. حجاز كار

    شرفني مرورك ، وجوزيت الخير كله .

  3. جزيت خيراً

  4. بسم الله الرحمن الرحيم

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيك أخي الكريم / كاتب

    كتبت فـ أبدعت بارك الله فيك

    اتمنى لك التوفيق

    أخوك / أبو سعود



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر







 


وما من كاتب إلا سيفنى            ويبق الدهر ما كتبت يداه


فلا تكتب بكفك غير شيئ           يسرك في القيامة أن تراه