بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة كاتب


المقامة الغَزِّية

كتبهاكاتب ، في 1 يونيو 2008 الساعة: 22:29 م

المقامة الغَزِّية

 

        حدثني خالد بن يزيد ، بعد قدومه من سفر بعيد ، وقد بدا عليه التعب ، وعلا وجهه الحزن والغضب ، فمازحته وداعبته ، وسامرته ومن ثم عاتبته .

 فقلت : أن يبدو عليك التعب ، والمرض والنصب ، فهذا ليس بغريب ، على كل مسافر وغريب ، ولكن حزنك حيرني ، وغضبك أقلقني ، فبالله عليك أخبرني ، عما رأيت وبين لي ، هل رأيت في سفرك ما يغضب ، ويثير الحزن ويسبب ؟ .

قال: بعدما استعاذ واستغفر ، وهلل وسبح وكبر ، أيها الحبيب اللبيب ، سؤال مثلك لمثلي غريب ، فلو رافقتني لما عاتبتني ، ولو أخبرتك لعذرتني .

قلت : أخبرني فكلي آذان ، وبين لي فكل الوقت لك والزمان .

قال : سمعت عن سقوط جدار غزة ، دار الشرف والإباء والعزة ، وفتح حدودها مع مصر ، فقلت ليس لي بعد اليوم من عذر ، فحملت أمتعتي ، وكتبت وصيتي ، بعد استشارة واستخارة ، واستعاذة من النفس الأمارة ، فجعلت الوجهة فلسطين ، وأخص منها قطاع المرابطين ، غزة الأبية ، غزة ياسين والرنتيسي وهنية ، أريد أن أعرف أحوالها ، وأتبين أخبارها ، أريد أن أعرف سبب الثبات والصمود ، في وجه الصهاينة اليهود ، مع تخلي القريب ، وتواطؤ العبيد ، أريد أن أتعلم منهم صدق اللهجة ، وقوة الحجة ، أريد أن أتعلم كيف ربوا هذه النفوس الأبية ، وكيف صنعوا هذه العقول العبقرية ، أريد أن أعرف لغز حب الموت ، حتى صار أمنية ربات البيوت ، أريد أن أعرف كيف نزعوا رهبة الدبابة والمدفعية ، من نفوس الطفل والبنية ؟! ، أريد أن أعرف كيف نسي شبابهم الهيام ، والتغني والغرام ؟

فصار شغلهم البندقية ، وهمهم القضية ، أريد أن أعرف كيف جمعوا بين السياسة والجهاد ؟  والعلوم ودعوة العباد ؟ ، أريد أن أعرف كيف جمعوا جوامع الخيرات ؟ وسلموا من عجز الثقات ، حتى صاروا مضرب الأمثال ، على مر السنين والأجيال  .

فلما اقتربت من  الحدود ، تذكرت خندق غلام الأخدود ، فرأيت الزحام والركام ، والصياح والصراخ والآلام ، ورأيت وجوهاً حادة ، ونفوساً جادة ، حطمت بصبرها القيود ، واخترقت بإيمانها الحدود ، ورأيت أسواراً محطمة ، وأراض مقسمة ، وبيوتاً مهدمة ، فلما بالدخول هممت ، فإذا المنادي ينادي : أيه الغريب من أنت ؟ !!.

 قلت : مسلم من جزيرة العرب ، لي في غزة قلب وحب وإرب ، جئتها ناصراً يوم عز الناصر ،  ومؤازراً يوم تخلى المؤازر .

قال : عجباً ما قلت ، والأعجب ما فعلت ، جئت إلى الجحيم والشقاء ، تاركاً النعيم والرخاء ، لم يسبقك إلى هذا أحد ، وخصوصاً في هذا البلد .

ثم قال : ألم تعلم أن الحصار قد عاد ، وعادت غزة للأصفاد ، وكأنها في هذا الكون وحيدة ، ولم تنتم يوماً إلى أمة مجيدة .

فرجعت وفي نفسي حسرات ، وفي صدري زفرات ، وفي عيني عبرات ، لا أدري من أروم ، وعلى من ألقي اللوم ، أألقيه على الحكومات المتخاذلة ، أم الشعوب الغافلة ، أألقيه على العلماء ، أم عامة الشعب والدهماء ، أم أنهم في المسؤولية سواء .

ثم التفت إلي وقال : وأنت ما ذا تقول ، فمثلك يأتي بالجواب المقبول .

قلت : همك وهمتك ، أنستني هموم أمتك ، فأنت السؤال والجواب ، وأنت الحري بالإيجاب ، فلو بذلنا ـ مثلك ـ وسعنا ، لكان الله دوماً معنا ، ولكننا أمة ألهتها الملهيات ، حتى ضاع من الشباب والبنات ، فشبابنا ألهتهم المسابقات ، وأضلتهم القنوات ، أما وكبارنا  فالدنيا أشغلتهم ، وصار همهم المؤشر والأسهم ، وصغارنا ألهتهم النوادي ،  ، حتى هاموا في حبها بكل وادي ،  فأصابنا  ما أخبر به الرسول ، نقله عنه الثقات العدول ، ( حب الدنيا وكراهية الموت ) ، فلم يكن لنا بين العالمين رأي أو صوت .

محبكم

كاتب

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقامات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “المقامة الغَزِّية”

  1. شكراالك يلي كاتبهالاني كتبتهاامتحان شهرين لكن حلوةجداولا يوجد فيهاسجع



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر







 


وما من كاتب إلا سيفنى            ويبق الدهر ما كتبت يداه


فلا تكتب بكفك غير شيئ           يسرك في القيامة أن تراه